السبت، 2 يوليو، 2011

بين كافكا والشاطيء


بين كافكا والشاطيء


 فادي عاصلة

هو الشاطئ يصير متاهات المضي وخارطة المعاني، حين يكون كافكا عليه، هكذا في رواية كافكا على الشاطيء للروائي الياباني هاركي موراكامي، حيث تأخذ قارئها لعوالم من الرموز والعلامات، وإلى شخصنة سيميولوجية صارخة لجملة من المفاهيم والقيم الإنسانية، قد يعيش القاريء فيها لحظات ربما لا تعوض بغيرها، هي مغامرة البحث عن المعنى والتقاف الإجابات، هي رحلة في المدار الفلسفي القصي، وإذعان مُضمر للإجابات الجاهزة والخيارات المحددة مسبقا، هي لوحة ترى منها عوالم الأدب العالمي وهواجس نخبنه من روائيين وشعراء وكتاب وموسيقيين من خلال شخوص موراكمي المُثقلة بعبء البناء الذي فرضه موركامي عليها كشخوص يجب أن تحمل حصيلة التجارب الاجتماعية، وأن ترعى سيرورة الدلالة في ذراها الأكثر انفتاحاً على وجهات المعنى.

وإذ تعد الرواية إحدى أهم علامات الرواية اليابانية الحديثة، فقد تكون حجر أساس لا يمكن تجاوزه في مسيرة هاركي موركامي الروائية، هي تجاوز لضيق التأويل نحو الحد الأبعد لانبجاس المعاني الثاوية.

تظهر براعة موركامي في صياغة الرواية مذ بدايتها،فاستخدامه الواعي لتقنيات السرد الروائي، بما تحويه من أسلوبيه بارعة  وخيالٍ جامح،كانت فاعلاً أساسياً في إخراج الرواية بجمالية راقية.

كان واضحاً من  تقنية الإنشطار بين ضميري الأنا – والهو، المتكلم والغائب، التوجه المفضي لحالتين منفصلتين تماماً لكل منهما مجالها النفسي وإطارها الفكري والاجتماعي،وفي جوفهما تنمو وتترعرع كل تلك المشاعر الدافقة، فالمتكلم هو من يمسك بزمام الحدث وهو من يتحكم في مجرياته، هو من يعكس كل تلك الأحاسيس وينثرها أمام القارئ هو الالتقاء الحقيقي بين السارد والمؤلف بين كافكا وموركامي هو وجه الشبه بينهما، وهو المبادر القادر على ثني مجرى الأشياء : " سأهرب من البيت " ، "  سأرحل إلى بلدة نائية " ( ص 9 ). كما أنه يذيب النص في الناص ويتوغل إلى عمق الحس الذاتوي، كونه المرجعية الجوانية.

بينما ضمير الغائب فهو السارد المراقب الذي لا يملك سوى ما يقع تحت مرمى العين، لا تطال يده الأحداث ولا يغير بها، ينفصل زمنه عن زمن الحكي، هكذا كانت حال ناكاتا، ذاك العجوز المُسير على فعل الأشياء لأنه لا يعرف لما يفعل الأشياء : " أفعله لأنه محتم علي " ( ص 416 ).

إن هذا الانتباه والتوظيف المميز للضميرين معاً وما يحمله كل واحد منفرداً من حيث الأبعاد السيكولوجية التي  تشتغل في ذهنية  القاريء، ولما يحمله كل ضمير من دلالات وإمكانيات  في مدارات اشتغاله حذا  بالتقاء الحس الروائي بالقدرة التعبيرية بالتوجهات الفلسفية بين الجبرية والاختيار لصناعة المعنى العام المرجو استخلاصه.

يرافق الفصل بين الضمائر تشظٍ زمكاني ( مكان وزمان )، حيث يقسم موركامي الرواية لتسعة وأربعين فصلاً، تحمل نوعاً من التعاقبية السردية والضمائرية، التي بدورها تحمل تعاقباً مكانياً وزمانياً، لكل منها مساحة حيث يتحدث السارد عن ناكتا، ثم يعطي المساحة لكافكا ليقول مقوله، وبالتالي فإن هذا التعاقب يحوي بداخله تشتيتاً زمكانياً  وينتقل من موقع لآخر في لحظات الذروة الحادة لتكون تعبيراً نفسياً مجيشاً لحالة تورط قاسية في أقصى مراحل الانفعال، فالأحداث في الواقع المعيش قد تحدث في ذات اللحظة، لكنها في الرواية لا تكون كذلك بل يكون على الروائي قدرة سردها وتصنيف آلية سردها وبالتالي الانتقال من حدث لآخر في لحظة يرتئيها الروائي، تكون قادرة على توتير القاريء وتشويقه وإثارته.

تعد تقنية الشكل والمضمون من التقنيات المبدعة التي أجاد موركامي استخدامها، فالشكل دوماً يحمل في جوفه قسطاً من المعنى بل يفرض بعضه، ويشتغل في الخلفية الذهنية للمتلقي، لذا نرى موراكامي واعياً لمشروعه، ففي الحوار كان يعطي الشكل الحواري المعتاد لحالة الشكل الحواري، وعندما أورد قصيدة كافكا على الشاطيء عرضها في شكلها النثري ( ص 301 )، كما أنه حين أورد خبر مقتل والد كافكا النحات كيوتشي تامورا أورده على شكل خبر صحفي مفصول إلى عمودين على غرار آلية العرض الصحفي ( ص 261 )، هكذا أيضاً كان في الخبر الثاني الذي يتحدث عن سقوط السمك في سماء ناكانو ( ص 266 )، إن الشكل لا يحمل قسطاً من المعنى فحسب بقدر ما يعطي شحنات نفسية تطفي على المقول جزءً من الواقعية من خلال الأثر النفسي للشكل في مخيال القاريء.

تتضافر كل هذه التقنيات في خدمة مشروع موركامي، الساعي لصياغة كل تلك الأفكار المزدحمة الدائرة في خاطره، إلى مشروع مُجسد، وإلى عالم يخرج من خياله نحو وجود مادي، لهذا يبرز عمق ومقدار الترميز من خلال الشخصيات والحوارات من خلال التفاصيل والأحداث.

إن ازدحام الرواية بالنظريات والأفكار، بالأساطير والخرافات والحكايات، بهواجس الفلسفة والمعرفة والوعي، كلها كانت حاضرة بقوة لتمضي نحو رؤية موركامي، هكذا كانت تولد وتنتهي الشخوص، فساييكي تلك المرأة التي تعتاش على ذاكرتها، تموت حين تُحرق مذكراتها، وناكتا العجوز هو شخص فارغ من داخله لذا كان قادراً على التواصل مع القطط أكثر من قدرته على التواصل مع بني البشر، يسأل " ماذا يكون ناكتا ؟ .. فارغ من الداخل .. مكتبة ليس بها كتاب .. أي شخص يمكنه الدخول  ( ص 407 ) حتى جوني ووكر استطاع الدخول إلى داخله والتحكم فيه، حتى هو يفعل كل ما يفعل لأنه محتم عليه أن يفعل وهو ما يقوله ويعرفه ( 461 ) ولكن حين تنتهي مهمته يموت لأنه أداة.

هوشينو الذي غيرت الموسيقى حياته، والذي بدأ يفكر في الأشياء جيداً فقد عاد إنساناً جديداً، لأنه كان يحمل شيئاً في داخله يفتش عن المعرفة، من هنا حين دخل المكتبة راح يفتش ليقرأ عن  بيتهوفن وهايدن  بعد أن أثارته بعض المقطوعات الموسيقية في المقهى.

أما الكولونيل ساندرس، فقد اختفى أيضاً بعد المهمة، لكن ماذا عساه يكون ولماذا اختفى ؟ فهو كائن ميتافيزيقي، ما وراء الخير والشر، لا شكل له ولا اسم ولا جوهر، وهو أيضاً محتم عليه أن يفعل ما يفعل، فهل يكون قدراً ؟ لكنه حين لبس ملابس كولونيل برجوازي متخم، لم يكافيء هوشينو إلى بعاهرة جميلة، فهل فرض عليه الشكل مضمونه ؟

إلا أن كافكا، وحده من استطاع النجاة، فهو من بادر إلى ترك المنزل والهروب في الخامسة عشر من عمره، كما أنه استطاع أن يفتش عما يحبه في المكان الذي هرب إليه، فصار يمارس التمارين الرياضية في المركز الرياضي، ويطالع الكتب بشكل مستمر في المكتبة، ويفتش عما يشغله من هواجس المعرفة، ربما فشل في بعض القضايا التي احتكمت إلى لعنة سابقة عليه، إلا أنه أنهى الأمر، أنهاه عبر فلسفة المواجهة والصمود التي كان يحملها.

الحوار الذي يتنوع بتنوع خالقيه يكشف عن تلك المنظومات الأيديولوجية المكونة للشخصيات فحوار هوشينو وناكتا لا يحمل إلا تفاصيل الأمر القادم والمهمة القادمة، تفاصيل الغذاء والحياة اليومية، إضافة لحوارات فكرية تنتهي دوماً بالفشل حين يقطعها ناكتا بقوله : " أنا لست ذكيا ". أو هوشينو بقوله : " لا أحب القصص الطويلة ". بينما حوارات كافكا وأوشيما تحمل بداخلها مفاصل الوعي الإنساني برمته، بحثاً وتقصياً جدلاً في الأدب العالمي وفي الأعمال الموسيقية الخالدة، ونقاشاً في هواجس الإنسان.

رواية كافكا هي رواية سيميائية بامتياز، أبدع موركامي في الترميز من الشخوص والأفكار، وفي ضخ الرسائل الأيديولوجية المشكلة لرؤيته للعالم من خلال إعادة تمرير هذه الرسائل على لسان الشخوص ومن خلال التمظهر السردي في شتى مواضع الرواية، وإلا ما كانت رسالته من خلال الجنديين اليابانيين اللذين هربا من الخدمة في العسكرية وما زالا حتى اليوم هائمين في الغابة ؟ أليست رسالة ذات كثافة دلالية هائلة لليابان وعقيدتها العسكرية ؟

هي إذاً بحث مضمر في إشكالية الوجود الإنساني وخلاصات ومواقف شتى، مبنية على كنوز الوعي الإنساني برمته من ديانات الكارما القديمة وأساطير أثينا وألف ليلة وليلة، وصولاً إلى روائع الأدبي الحديث كشكسبير وسوسييكي.

كافكا على الشاطيء، لوحة احتفظت ساييكي بها، وأهدتها لكافكا من عمق موتها، كي تبقى هي، كي يبقى لها شيء في هذا العالم، وطالما كافكا على الشاطيء، طالما هي في هذا العالم، هو الأثر الإنساني بما يحيل إليه كافكا، غلو في الدلالة وإمعان في الإيحاء المرهق.

‏ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق