‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 26 يوليو 2012

جدار الفصل العنصري: خنق في الهوة وخلق للهوية

جدار الفصل العنصري: خنق في الهوة وخلق للهوية


فادي عاصلة

لا شك في أن جدار الفصل العنصري، الذي بدأ العمل عليه منذ العام 2002 على الأراضي الفلسطينية المحتلة، كان ضمن مشروع ممنهج لخلق واقع جديد، عبر اختراقه أراضي المحافظات الفلسطينية، عازلاً لبعضها، ومحاصراً للبعض الآخر، وفي النتيجة ملتهماً آلاف الدونمات، ومفسحاً المجال لسياسات وعمليات تهويدية جديدة، على رأسها ضم الكتل الاستيطانية الموجودة على أراضي الضفة الغربية لإسرائيل، عبر اتّباع سياسة الأمر الواقع. لقد بدأ الاحتلال الإسرائيلي، وعلى الرغم من قرارات مجلس الأمن الدولي، وقرارات الجمعية العامة التابعة للأمم المتحدة التي تعتبر هذا الضم غير قانوني ولا تعترف به، بتغيير الواقع على الأرض في مسعى منه لتبديد أي إمكان لتقسيم القدس، أو للتنازل عن الشطر الشرقي منها، أو تحويل مسار الجدار ذاته إلى المسار النهائي لترسيم الحدود.
كانت القدس إذن، في صلب هذا المشروع التهويدي، حيث عزلها الجدار عن الضفة الغربية، معززاً ومكثفاً لسياسة الإغلاق التي يتبعها الاحتلال منذ العام 1967، وهو ما انعكس سلباً على مجمل نشاطات الفلسطينيين هناك، بما يشمل الجوانب الاجتماعية، الاقتصادية، الصحية، الدينية، الثقافية، وبما يؤثر أيضاً على المسألة الديموغرافية للمدينة، وذلك بعرقلة النشاطات الحياتية للمقدسيين، والفصل القسري بينهم وبين امتداداتهم الطبيعية والبنيوية مع مدن الضفة الغربية وقراها، وتحويل نشاطاتهم واهتماماتهم نحو المؤسسات والمراكز الإسرائيلية.
الحياة الاجتماعية
شكّلت سياسة الإغلاق قطيعة ملموسة مع الفلسطينيين بالضفة، وذلك بعرقلة حركة القادمين إلى القدس، عن طريق الحواجز والبوابات وجدار الفصل العنصري، أو عن طريق الإجراءات المشددة في استصدار التصاريح، مع ما يرافقها من معاملة قاسية وغير إنسانية مصحوبة بالشتائم والإذلال والإهانات بحق الراجعين إلى القدس. يقول الحاج أبو أحمد من سكان البلدة القديمة، إن البلدة القديمة تشبه في المساء البلد المهجور، تغلق المحال أبوابها، وتتوقف حركة المشاة، على نقيض أعوام ما قبل الانتفاضة: "كانت البلدة عمرانة والناس تروح وتيجي ...".
ينسحب هذا الأمر على العديد من المرافق الاجتماعية، فقد حالت سياسة العزل والإغلاق دون الزيارات الاجتماعية، وعقّدت الزواج بين الفلسطينيين داخل الجدار وأهاليهم المقيمين خلفه، وعسّرت التواصل الاجتماعي على اختلاف أنواعه. وما تؤكده حالات الزواج بين الجانبين هو لجوء الأزواج من المنطقتين إلى السكن خارج منطقة القدس، حيث باتت كفر عقب هي المأوى لهم، فيما تعرقلت حالات زواج أخرى، كحالة إحدى مواطنات القدس، التي رفض أهلها تزويجها لشاب من رام الله. تقول الفتاة: "في آخر عشرة سنوات بات السؤال الأول للمتقدم للزواج ما لون هويته؟".
اضطّر العديد من المقدسيين لتغيير أماكن سكنهم بما يتلاءم مع التزاماتهم وحاجاتهم الإنسانية، فالبعض ترك سكناه خارج الجدار لئلاّ يخسر بيته في القدس، والبعض الآخر سكن في الضواحي ليكون قريباً من عمله أو أقاربه، وهو ما يعني تشويه الحياة الاجتماعية التقليدية، وإجبار الفلسطينيين على إعادة تشكيلها، لتجنب أضرار السياسة الإسرائيلية التهويدية. وحول هذه القضية، يقول مدير دائرة الخرائط في جمعية الدراسات العربية خليل التفكجي: "إن العائلة المقدسية هي عائلة ذات نواة صلبة، كما أنها ممتدة، وبالتالي فإن المسعى الإسرائيلي يهدف لتحجيم هذه العائلات وفصلها، فيما الأسرة يتم تدميرها من الداخل بثقافة دخيلة وآفات اجتماعية على اختلافها"، ويضيف التفكجي: "سيصير 185 ألف مقدسياً منفصلين اجتماعياً ومعزولين عن امتدادهم، وهو ما يولِّد تطور ونمو مختلفين تماماً عمّا هو عليه في الضفة، وهو ما يشبه الثقافة في غزة وأراضي ال48، إذا إنها تحمل في داخلها خصوصية التقوقع المفروض عليها، بحيث تتلاءم مع خصوصيتهم كشريحة ذات وضعية خاصة، وليس مع الثقافة الفلسطينية الجمعية. الحالة ذاتها قد تفرز توجهات نحو الاندماج في المجتمع الثاني. ولكن إسرائيل في النهاية تسعى لإخراج جيل فلسطيني عدمي وغير مُنتمٍ يعمل لديها كعبيد لا أكثر، بمعنى هي تشمل كل من لم يستطع الاندماج في ثقافة المنتصر المُحتل، ولا يستطيع أن يعيش في إطار ثقافته".
العمل والاقتصاد
هناك عشرات الحالات التي تشبه الحالة السابقة، والتي تقع ضمن التأثيرات الديموغرافية التي أحدثها الجدار وسياسات الاحتلال المرافقة، على أنَّ الأمر لم يتوقف عندها، بل نراه انسحب إلى مرافق أخرى. وفي هذا السياق يقول أحد تجار البهارات في القدس: "سابقاً، كنت تسمع كل اللّهجات الفلسطينية الخليلية والنابلسية، الجنوبية والشمالية والبدوية، اليوم ما بتسمع إلا لهجة أهل القدس ولهجة الأجانب"، ويؤكد أن التجارة تضررت بشكل كبير، ويصف مرحلة ما قبل الإغلاق والجدار بأنها "أيام زمان، أيام العز"، حيث كان يبيع البهارات لمختلف المناطق. لقد كانت القدس مركزاً اقتصادياً جاذباً للمستثمرين ورؤوس الأعمال وللصناعات الصغيرة، وكانت حركة التسوق نشيطة، وكانت العديد من المنشآت الاقتصادية تعتمد فقط على سكان ضواحي القدس، أو على سكان الضفة الغربية. أمّا مع الإغلاق فقد تضررت المواصلات، إذ كانت حركتها نشطة بين الضفة الغربية والقدس، وتضررت كذلك العديد من المصانع الصغيرة والمراكز التجارية، التي اضطرت للانتقال إلى الضفة الغربية أو أجبرت على أن تغلق أبوابها نهائياً، مخلفة وراءها حالة ركود اقتصادي، وأوضاعاً اجتماعيةً قاسية.
ولم تعد القدس، على وقع هذه التطورات، تشكل مركزاً مشجعاً للعمل والاستثمار، فلم تعد السوق قادرة على استيعاب العدد الكبير من الباحثين عن عمل، وهو ما دفع بدوره العمال المقدسيين إلى البحث عن عمل خارج السوق المقدسية. وقد انعكس هذا على الحالة المعيشية للمقدسيين، خاصة في ظل تمييز وإجحاف يتبعه الاحتلال في مستوى الخدمات التي يقدمها إليهم، وخصوصاً التمييز في الميزانيات وتوزيعها. وحول هذا الموضوع يلخِّص د. نظمي الجعبة، أستاذ التاريخ في جامعة بيرزيت، الوضع بقوله: "لم تعد القدس تجذب المستهلكين أبداً، والكفاءات بدورها انتقلت إلى منطقة رام الله، فالقدس خالية حتى من منطقة صناعية، والمقاولين وخصوصاً مقاولي الإسكان تضرروا بشكل كبير في القدس، الكثير من المستثمرين ملّوا من عناء الحواجز فسكنوا رام الله، وبقيت القدس تعاني حالة تفريغ قاسية"، ويضيف: "باتت حالة القدس مزرية في ظل مدارس غير جاذبة، ترتفع فيها نسب تسرّب الطلاب، كما تحوّل المقدسيون المتسربون إلى عمال تنظيفات حتى يكاد يخلو شارع في القدس لا ينظفه مقدسي، كل هذا متوافق مع المشروع الإسرائيلي المتجلي باتجاهين: الأول، تشجيع الاستيطان وتسهيل حياة المستوطنين؛ والثاني، وضع العراقيل أمام المقدسيين. أمام كل ذلك فمستقبل المدينة هو مدينة مفرغة من سكانها الأصليين، ومن يتبق منهم يتم تجريده من الهوية الفلسطينية المميزة له".
التعليم الأكاديمي
يدرس أغلبية طلبة القدس في جامعات بالضفة الغربية، وقد بات مع سياسة الإغلاق والحواجز الوصول إلى جامعاتهم متعباً للغاية، مما يضطر قسم كبير من هؤلاء الطلاب إلى أن يقيموا بقرب جامعاتهم، وعدم العودة يومياً لمنازلهم بالقدس. لكن، وبالنسبة على القسم الآخر من الطلاب الذين يسافرون صباحاً على جامعاتهم ويعودون مساءً، فقد باتت الحواجز تشكّل تحدياً حقيقياً. تقول الطالبة رزان جبريل من بيت صفافا، تدرس هندسة الكمبيوتر في جامعة القدس في أبو ديس، إنها تخرج من البيت في الساعة السادسة والنصف صباحاً، لتصل إلى محاضرات الساعة الثامنة، كما أن طريق العودة يحتاج إلى ساعة ونصف على الأقل، هذا إذا لم تحدث مناوشات مع الجنود، الذين يحاولون دائماً استفزاز المقدسيين الذين يمرون عبر معبر "الزعيِّم" الذي يفصل العيزرية عن القدس، علماً بأن الطريق من دون حواجز لا تحتاج إلى أكثر من نصف ساعة". قد تكون رحلة المعاناة هذه أصعب لمن يدرس في جامعةٍ أبعد من جامعة أبو ديس، يقول الطالب كنعان الغول من سلوان، ويدرس التربية في جامعة بيرزيت، إنه يستيقظ يومياً في الخامسة والنصف صباحاً، ويخرج من البيت في السادسة كي لا يتأخر عن محاضراته، وبوجه عام، فإن الطريق تحتاج على الأقل بين ساعتين إلى ثلاثة ساعات في كل اتجاه.
تعرقل وتؤذي هذه المعاناة المسيرةَ الأكاديمية، إذ إن الطالب بعد ساعات السفر يصل إلى البيت مرهقاً لا يقوى على التركيز وعلى متابعة دراسته، كما أن أربع إلى خمس ساعات سفر يومياً تكون قد التهمت ساعات اليوم ولم يتبق من وقت لمزاولة نشاطات الحياة اليومية. تهدف سلطات الاحتلال الإسرائيلي من هذا كله إلى عرقلة المسيرة الأكاديمية الفلسطينية في القدس، على رأسها قطع العلاقة الأكاديمية بين الضفة والقدس، وهو ما ينجلي في فتح الجامعة العبرية أبوابها للمقدسيين، لكي تخلق بديلاً يوقف تدفق الطلبة المقدسيين إلى جامعات الضفة الغربية. ولأجل إتمام هذا المشروع كان لا بد من خلق البديل، بحيث يكون بديلاً يحمل مضاميناً إسرائيلية: الراحة في مقابل المعاناة، والقرب في مقابل البعد، والتقنية والتطور في مقابل البدائية، وبهذا تصير الجامعة العبرية في القدس طوق النجاة الذي قد ينقذ الطالب المقدسي من مرارة الطريق وصعوباته، بحيث يستطيع المقدسي، على خلاف الإسرائيلي المُلزم بامتحانات "البجروت"، أن يتقدم للجامعة الإسرائيلية بما يثبت أنه درس اثني عشر عاماً تعليمياً، وبتحصيل معدل جيد في "السنة التحضيرية" (المخيناه في العبرية)، ممّا يؤهله في النهاية إكمال دراسته الأكاديمية.
الثقافة
تعتبر الثقافة، بما فيها من عادات وتقاليد ومعتقدات وحِرف وصناعات، وطقوس، وفولكلور، وأساطير، وأنماط حياة، وفنون، ومنتجات مادية، وعمران؛ إحدى أهم معاقل المواجهة بين المُستعمِر والمُستعمَر. فهي البناء المميِّز للأمم والشعوب والجماعات، وهي التي تحفظ هذه الكيانات من الاندثار والزوال، وتبقيهم وجوداً حياً وفاعلاً، وقادراً على المقاومة ضد الغزوات الخارجية. لذا ليس من المبالغة القول إنَّ كل أنماط الثقافة الفلسطينية وتجلياتها في القدس باتت في خطر نتيجة للسياسات التهويدية. فمن الواضح أنَّ عزل القدس عن امتدادها الفلسطيني، وقطع أواصر العلاقات وفتح أبواب العمل والتعليم للمقدسيّ في المؤسسات الإسرائيلية يعني تسريب أنماط وأشكال ثقافية جديدة إلى مخزونه الثقافي – المعرفي، مما يشكّل حالة من الاصطدام الفكري بين أفكاره وثقافته الأصيلة، وبين ما يتم تسريبه من أنماط ثقافية إسرائيلية، ممّا قد يخلق لاحقاً حالة اغتراب، تتجلى في انعدام المرجعية السلوكية المُشكِّلة للتصرفات الفردية. إن هذه حالة تستوجب "أمناً ثقافياً" تتضافر فيه كل الجهود من مؤسسات وجمعيات ونخب سياسية وثقافية، إلاّ إن الوضع في الحالة المقدسية كان قد شهد تعقيداً إضافياً، تمثَّل في قيام سلطات الاحتلال الإسرائيلي باستباق إحداث مثل هذا "الأمن الثقافي" بإغلاقه مختلف المؤسسات والجمعيات الفلسطينية المتواجدة في القدس سنة 2000، ثم تلاها سنة 2005 مصادقة هذه السلطات على قانون منع السلطة الفلسطينية من القيام بأي نشاط رسمي في القدس، ويمثل "مسرح الحكواتي" نموذجاً حيّاً لهذه السياسة، إذ منعته السلطات من إقامة مهرجان أدبي لاشتباه سلطات الاحتلال بكونه تلقّى تمويلاً من السلطة الفلسطينية، وعليه فقد استضاف المركز الثقافي الفرنسي حفل افتتاح المهرجان.
إلى جانب ذلك فقد باتت مشاركة الفِرق الفلسطينية، سواءً الثقافية منها أو الفنية، في مهرجانات القدس وحفلاتها مشاركة متدنية، وهو ما يتسبب بتغيير برامج عروض كثيرة بشكل جذري، أو إلغاء مشاركة الفِرق الفلسطينية من خارج القدس، كي تتلاءم الأعمال الثقافية والفنية مع الواقع الجديد. ويمكن في هذا السياق ملاحظة ازدياد عدد الفرق الأجنبية، التي باتت تشارك في مهرجانات القدس على حساب الفِرق الفلسطينية. يعلِّق أستاذ علم الاجتماع في جامعة بيرزيت خالد عودة الله، على هذا الجانب بالقول: "إنّ ما يجري في القدس هو هندسة ثقافية اجتماعية، يسعى الاستعمار بها ليس إلى تغيير صورته لدى المُستعمَر فحسب، بل إلى تغيير صورة المُستعمَر عن نفسه أيضاً، وهو ما تتضافر لأجله جهود المُستعمِر بما فيه وزارة التربية والتعليم، ووزارة الداخلية ومختلف الأذرع الأخرى"، ويضيف عودة الله: "تعيش القدس حالة مكثفة من الهندسة الاجتماعية، وما يجري ليس عملية أسرلة، بقدر ما هو محاولة لإخراج المقدسي من دائرة العداء لإسرائيل، وربطه بنظام الاحتلال الاستعماري، الذي لا يسعى لإفراغ القدس تماماً، فهو بحاجة لتواجد الحد الأدنى من المقدسيين لئلاّ يظهر مشروعه كتطهير عرقي، وعليه يضمن بعض الأخلاقية التي تعزز بدورها روايته الاستعمارية، وتوفر له في الوقت ذاته راحة الضمير". أمّا عن أواصر العلاقات بين الضفة الغربية والقدس، فيقول عودة الله: "فكّ الارتباط مع القدس هو تسهيل لهندستها، الحاجز ليس للمنع فقط، نحن ننسى الناس المسموح لهم بالدخول، لأنها حالة تأديبية لا تقل عن عملية المنع ذاتها، فهي تحويل الداخل إلى مراقب لنفسه ليحافظ على علاقة طيبة مع النظام، فإذا كان ابن عمّه مشبوهاً، يقوم بتحديد علاقته مع ابن عمه".
مرافق الحياة اليومية
لقد بات مشروع الاحتلال واضحاً، فالمرحلة الأولى منه تمّت بإغلاق الجمعيات والمؤسسات الفلسطينية في القدس، لينتقل المشروع لاحقاً إلى بناء الجدار، الذي أرهق العلاقات الاجتماعية وأفرز ديموغرافية جديدة تقوم بالأساس على الأمن الإسرائيلي، وعلى تفتيت البُنى الاجتماعية الفلسطينية، ومن ثم دفع المقدسيين (الجيدين بالتعبير الإسرائيلي) نحو الاندماج بالمؤسسة الإسرائيلية. وقد هدف هذا المسعى إلى تفتيت الهوية الثقافية للمقدسيين، وإجبارهم على ترك القدس عن طريق سحب هويات الإقامة من أكبر عدد ممكن منهم، ووضْع عراقيل عديدة أمام حياة طبيعية لهم، كملاحقتهم بضريبة الأرنونا وبغيرها من الضرائب والغرامات، ومثل تعقيد شروط الحصول على رخصة بناء أو ترميم، وعلى لمِّ شمل العائلات.
أمّا المرحلة التالية فكانت بدفع المقدسي إلى "المرافق الإسرائيلية" عبر العديد من السياسات، كفتح سوق العمل الإسرائيلي أمام المقدسيين، وتهيئة السوق الإسرائيلية ذاتها لاستيعاب المقدسيين، بحيث تتحول وجهة المقدسيين إلى السوق الإسرائيلي، هذا ما يمكن ملاحظته قبل أعياد الفطر والأضحى وعيد الميلاد، إذ تتزين المراكز التجارية الإسرائيلية، كمركز المالحة التجاري، ومركز مأمن الله، والمحال التجارية في شارع يافا، بما يلائم حاجات المستهلك المقدسي في عيده. كما أن هذه السوق ذاتها باتت تستقطب العمال المقدسيين، مع ملاحظة فروق الدخل بين العامل العربي والعامل اليهودي. ورغم ذلك، فما بين الضفة الغربية أو القدس، تصير القدس هي البيئة المفضلة للعامل المقدسي بما فيها من قرب جغرافي، وفارق مادي ملحوظ. إنّ ارتباط المقدسي بالمؤسسات الإسرائيلية، مثل البنك، والبريد، وشركة المياه، وشركة الكهرباء، ودائرة الضريبة، ومن ثم سوق العمل والمنهاج الإسرائيلي الهادف إلى إعادة التنشئة في المنظور الإسرائيلي، يشكّل اختراقاً اجتماعياً وفكرياً وانتمائياً للمقدسيين، الأمر الذي يمكن استشرافه من مختلف الشواهد الإجرائية التي اتخذتها إسرائيل مؤخراً.
يتكلّل هذا المشروع بالتجنُّس، فلم يعُد خافياً اليوم السهولة التي يتم بها تمرير طلبات التجنُّس، إذ يكفل القانون الإسرائيلي حق طلب الجنسية الإسرائيلية لسكان القدس، ليتحول المقدسي "المقيم الدائم" وفْق القانون الإسرائيلي إلى "مواطن إسرائيلي"، ولكن بالغربلة عبر ميزان الأمن والمخابرات الإسرائيليين. إن "المقيم الدائم"، وهي الوضعية القانونية للمقدسي، تعطى بوجه عام إلى المواطنين الأجانب، الذين يزورون إسرائيل ويطلبون رسمياً حق الإقامة فيها، وبالتالي فإنّ الدولة تمنح هذا الحق "كرماً" منها، بشروط بسيطة، كعدم وجود أية سوابق لأعمال تشكّل مخالفة أمنية، وإجادة متواضعة للّغة العبرية، وأمانة صاحب الطلب "للدولة"، وعليه، ووفق هذا القانون، يتحول المقدسيون إلى مواطنين بمحض الكرم والمنّة الإسرائيليَيْن.
إن كل هذه الدوائر التي تُمعن إسرائيل في رسمها، تؤكد أنها تريد من عملية السلام العملية ذاتها وليس السلام نفسه، فكسب الوقت في ظل مجتمع دولي لا يسعى لفرض القرارات الدولية، ولا لإلزام إسرائيل باحترام ومراعاة القانون الدولي، يمكن أن يفرض وقائع على الأرض تكون ورقة رابحة في أي مشروع تفاوضي قادم، وما يمكن قوله إن رسم معالم الهوية المقدسية والسعي لإفراغها من مضامينها وضخّها بالمضامين الثقافية الإسرائيلية، يعني أن إسرائيل ماضية في فكرتها حول القدس الموحدة. ومما لا شك فيه أن للمقدسيين في تجربة فلسطينيي ال48 خير مثال للحالة التي قد يكونون عليها بعد أعوام، إلا إن حالتهم رغم ذلك تبقى أكثر قسوة نظراً إلى كونهم يعيشون في المدينة المقدسة، لبّ الصراع، وبالتالي فإن الخطوات متسارعة أكثر، كما أن الصراع أكثر حدّة وخطورة، وهو ما يجب على الجميع سواءً السلطة الفلسطينية أو المجتمع الدولي، بما فيها الرباعية الدولية، أن تحرك ساكناً باتجاه تطبيق قراراتها المتعلقة بالقدس، لئلاّ يضيق الوقت بأصحابه فلا يُعرف ما يكون بعدها في ظل مناخ عربي ثوريّ، بات يفرض هواجس الثورة، والقدس ليست ببعيدة عن الخيال الجمعي للشباب العربي.

  "حوليات القدس"،  العدد 12،  "مؤسسة الدراسات الفلسطينية".

الثلاثاء، 28 يونيو 2011

العنف وتآكل الضوابط في الداخل الفلسطيني


العنف وتآكل الضوابط في الداخل الفلسطيني

 فادي عاصلة

لا شك في أن ظاهرة العنف  لدى الفلسطينيين في الداخل  آخذة بالتفاقم بشكل مقلق، إذ يتبين من الإحصائيات الرسمية أن 60% من ضحايا العنف في إسرائيل عام 2010 هم من الفلسطينيين، كما أن  هناك 80 فلسطيني من بين 120 قتيل في إسرائيل على خلفية حوادث عنف. بالإضافة ل 80% من حوادث إطلاق النار تحدث في الوسط الفلسطيني.

هذه النتائج يجب أن تفتح باب التساؤل الذي يفضي لإجابة تكون نصف حل لا بد أن يكون قريب. إن العنف بهذا الشكل المتفشي في الداخل يُشير لأزمة داخلية حقيقية يجب أن تقودنا للبحث في مدى التضامن الاجتماعي الداخلي، والتي إذا ترجمناها بلغة  بوردو، نكون أمام ثلاثة منظومات رمزية تخلق هذا التضامن، إما الفن، أو الدين، أو اللغة.

المنظومات الرمزية هي وحدها قادرة على إنتاج أشكال رمزية تكون مهيأة للقيام بمهمة الضبط الاجتماعي وعلى فتح مجالات التضامن، فاللغة تحوي بداخلها ذاك البعد الروحي والقومي، الفوق تاريخي المتجاوز للزمكانية ( الزمان  - المكان ) ، كما الدين الذي يشكل بدوره المرجعية الأخلاقية والروحانية المؤسسة لبنية قيمية ومنظومة من التصرفات والممارسات، أما الفن فيكون بدوره مُعبراً عن هذا الحراك مجسداً له ومؤسساً لمخيال رمزي جمعي يلتقي في رموزه على اختلافها سواء الصورية أو الصوتية أو الشعرية جمهرة المستقبلين القادرين على تفكيك هذه الرموز واستكنان الرسائل الداخلية المتوارية خلف مجالات الترميز.

هذه المنظومات كلها بالإضافة إلى المنظومات الداخلية السيكولوجية والسيميائية بما تحويه من ثقافة وعادات وتقاليد وأنماط حياة تكون على شفا جرفٍ هارٍ عندما يكون التغير الاجتماعي فائقاً وحاداً بحيث يصعب مواكبته، بالتالي تصير المنظومات الاجتماعية متغيرة وغير مضبوطة في ذاتها، يرافقها صراع قيمي عنيف وتفكك اجتماعي موغلٌ في الشرخ.

أمام حالة كهذه يعيشها المجتمع الفلسطيني فرضتها دولة الاحتلال الوليدة، الانقطاع عن الامتداد العربي والفلسطيني، الضخ القاسي للثقافات الأخرى على حساب الثقافة المحلية، المأسسة وإعادة الهيكلة الاجتماعية من خلل اللعب على تناقضات الفلسطينيين لجنيها مكاسب سياسية، العولمة والاتصالات وعصر التقنية، أمام كل هذه المركبات بدأت تتراجع الضوابط الاجتماعية فالعادات والتقاليد والثقافة كلها في حياة فلسطينيي الداخل باتت في حالة دفاعية قاهرة،مقابل تسلل فوضوي لقيم أخرى.

الدين بدوره تم تشذيبه من خلال التاريخ الإسلامي ذاته ومن خلال الاحتلال، بحيث تم إفراغ الدين من مضمونه الروحي وأبعاده الإنسانية لدين سياسي مبني على العقائدية وعلى الواجبات والالتزام ،والمنفعة بين الإنسان والله ، كما كانت السياسة حاضرة لتفرغ الدين من مفهومه الثوري فالقرآن الذي زود كل الحركات التاريخية بالتوجه الثوري لم يكن حاضراً ليعاد تأويله في اجتهادية تفضي لانصاف البنى الاجتماعية في مواجهة الاحتلال، بقدر ما صار مدخلاً اسرائيلياً للضبط.

الفن بدوره لم يكن بعيداً عن هذا وذاك، فالبحث عن منبر، وآليات اخضاع الفن الاسرائيلية توزعت على شتى المستويات الاقتصادية، والاجتماعية، والأخلاقية أحياناً.

وصولاً إلى هذا المستوى يكون الدين والثقافة والعادات والتقاليد والفن والفكر والأدب، كله في حالة انهاك تام، متعب في تفاصيل البيروقراطية المؤسساتية وأصناف الرقابة والإغراءات ومجالات التقدم.

يميز غوستاف لوبون في كتابه سيكولوجية الجماهير بين صنفين من الأفكار، الأفكار الأساسية والأفكار الآنية الأولى تكون ذات طابع خصوصي مردها المنشأ، والأخرى تكون طارئة جراء تفاعل الفرد ضمن حيزات معيشية مختلفة، وتكون هذه الأفكار مكتسبة بشكل آني تحت ضغط تأثيرات وتفاعلات قد تزول الأفكار بزوالها، ولكن الصراع يكون عندما تكون الأفكار الآنية هي النقيض التام للأفكار الأساسية، هنا تتبلور حالة من الاغترابية والازدواجية بحيث يصير الشخص مرتبكاً بين الثنائيات متنقلاً دون أساسات منطقية، وهي الحالة التي عاشها عرب عصر النهضة بين ثقافة العرب والمسلمين وبين ثقافة الغرب.

في الحالة الفلسطينية المفهوم يصير تورطاً بين الانتماء الفلسطيني مع ما يحويه هذا الانتماء، وبين ردة فعل تفرضها هجمة الثقافة الأخرى التي تصارع الحيز الانتمائي.

هنا يتوارد السؤال المهم : ماذا عن المؤسسات الاسرائيلية المختلفة ؟ ماذا عن الأمن والشرطة وآليات الردع التي تملكها الدولة ؟ ماذا عن المرافق الاجتماعية والمدرسة والعائلة والتي كلها معاقل للتنشئة والضبط الاجتماعي ؟

هاذا يسوق إلى دراسة المخيال الاجتماعي للفلسطينيين والذي يتبدى من خلال دراسات عديدة أجريت أثر الصور الدلالية ( اللوجو ) لزي الشرطة على نفسية الفلسطيني ففي البعد النفسي للفلسطيني تتحول الشرطة والأمن الإسرائيلي إلى مُثير  سلبي وعليه فإن الأمن الإسرائيلي وشرطته وأجهزته المختلفة كلها مثيرات سلبية لا ثقة للفلسطيني فيها، ويصير خرقها خرقاً للاحتلال وإنصافا للقضية، وتوجهاً وطنياً  يرافقه راحة داخلية لمن يضرب بعرض الحائط القوانين كلها، فأي شرطة تود أن تحافظ على الأمن في قرية عربية وتحرق مخيمات كاملة على الجانب الآخر من الوطن ؟ هكذا يقول البعد الداخلي للفلسطينيين.

ولكن الأمن الاسرائيلي في ذات الوقت، يساهم في تنامي العنف، من خلال سياسة اللاتدخل، أو الوصول المتأخر، بحيث لا يتدخل طالما الموضوع مرتبط بالفلسطينيين وفي اللحظة التي يخرج فيها الأمر عن هذه الحدود حينها يكون للأمن والشرطة دور فاعل.

هذا ذاته يجري في المدارس، التي بدورها ترفع عالياً فوق أسوارها أعلام إسرائيل، وتضخ الثقافة العبرية على جرعات محدودة تتسرب شيئاً فشيئاً إلى رؤوس طلابها، لكنها هناك تصطدم بأفكار أخرى، لتتحول المدرسة لاحقاً إلى شيء لا يختلف عن أي مؤسسة من مؤسسات الاحتلال.

نصير هنا أمام نوعين من تآكل الضوابط، الضوابط الاجتماعية والقيمية باتجاه، والضوابط القانونية باتجاه آخر، وفي ظلهما تتفاقم وتضاف إليهما كل الأزمات اللاحقة من اقتصاد متدنٍ، وإجحاف سياسي، وتمييز متواطئ، أمام كل هذه المركبات يتحول الفلسطيني إلى جسد مُنهك خاوٍ ومُفرغ، عندها قد يصير للعنف آخر معاقل إنصاف الذات وآخر الأبواب المطروقة.

إلا أن هذا العنف، كان يجب أن يكون في  أساسه طاقة إيجابية رادعة، إلا أن نجاح اسرائيل في استدراج المجتمع من خلال آلياتها المختلفة، حدا بهذه الطاقة أن تنعكس سلباً لتأخذ منحى العنف الداخلي.

لن ينتهي العنف في الداخل، ولن تجد كل آليات الردع، ما لم تتخلى إسرائيل عن كونها دولة احتلال وما لم يفتح الفلسطيني أبوابة على  امتداده العربي ، بحيث يعيد ضخ دم جديد، يكون قادراً على إحياء كل المنظومات الاجتماعية من جديد، وعلى انفتاح يعيد له ما فقده خلال ثلاثة وستين عام.



الخميس، 9 يونيو 2011

عن الفلسطيني الذي لن يبقى


عن الفلسطيني الذي لن يبقى



فادي عاصلة

لا بد وأن ثلاث وستين عاماً هي كفيلة وكافية بأن يعيد فلسطينيو الداخل قراءة وتحليل تجربتهم السياسية في محاولة استشفاف المرحلة القادمة ومحاولة لتفادي أخطاء سابقة، وإن كان هذا برمته موضوع إشكال كبير يبقى واجباً حتمياً لئلاً تتسع القطيعة فلا يشد البعض بعضه.

تعد السنوات الأخيرة هي الحاضن لأكبر عدد من القوانين الإسرائيلية العنصرية اتجاه  الشريحة الفلسطينية، وهو ما يجب أن يكون المدخل للمراجعة الذاتية والنقدية. يجب التساؤل لماذا تمضي إسرائيل في قوننة وشرعنة عنصريتها ؟ وأين دور فلسطيني الداخل ؟ وكيف يكون الرد في مواجهة هذه القوانين، وما هي آليات الرد والردع ؟

كما يجب أن يعترف فلسطينيو الداخل بأنهم وقعوا في شرك المؤسساتية والتأطير وأنهم أمعنوا في الاستخفاف بالشراك والفخاخ المنصوبة حتى تكبلوا فيها، وحتى باتت الأطر تضيق على أصحابها.

قد يكون من الإجحاف ظلمهم على حيازتهم الهوية والجنسية الإسرائيلية كونها كانت حتمية فرضتها دولة الاحتلال الوليدة وكانت الباب الأخير للبقاء، لكن من الظاهر أن أبواب البقاء تعددت وصار البقاء في وجهة البعض مصحوباً بالترف المعيشي المؤدلج بشراسة التوجه وعنف الخطاب ومئاله المُخيب في تآكل الهوية وإنهاك الوعي.

كانت الأحزاب في الصدارة كحركات اجتماعية بنت ذاتها ضمن خطاب سياسي يسعى لتحقيق طموحاته، كما الجمعيات والمؤسسات التي نظمت ذاتها لتصير معقلاً لرغبات متزامنة، في موازاة المدارس وباقي الأطر والعُلب الأخرى. لكن ما يجمعها كلها، أنها تشتغل ضمن دائرة المجال الإسرائيلي وبالتالي فكلها خاضعة لمحددات أساسية قد تكون منطوقة وقد تكون إشارية، تحمل في داخلها الاعتراف بالشرعية الإسرائيلية والاعتراف بالبنية المؤسساتية الإسرائيلية، وكلها في النهاية معززة للخطاب الإسرائيلي، وما يعزز الخطاب الإسرائيلي يرتد على معززيه بتمادي أكثر وإمعان في " قصقصة " الأطراف ،هنا توقع الجمعيات العثمانية على مواثيق احترام القوانين الإسرائيلية كما يقسم أعضاء الكنيست العرب قسم الولاء كما لا يخرج مدير أي مؤسسة عن محددات أساسية تتفاعل في المحددات الذاتوية للفرد الفاعل ضمن رقابة ذاتية قد تكون أشد قسوة وإرغاماً، ليتحول المجتمع المدني إلى مجتمع منضوٍ ضمن دائرة المشروع الإسرائيلي دون وعي ورغبة على غرار المثل القائل : " الطريق إلى الجحيم معبد بالنوايا الحسنة ".

سيخيب ظن من يعتقد أن بالإمكان الحفاظ على الهوية الفلسطينية في الداخل من خلال الأطر والمؤسسات والجمعيات، وإذا كان كارل بوبر نبه إلى مفهوم المجتمع المفتوح الذي ينبلج رتاجه عن ثقافات تتداخل لتعيد تشكيل الثقافة الأم، فإن فلسطيني الداخل ليسوا أمام مجتمع مفتوح  بقدر ما هو مجتمع مُشَّرع يُعاد تشكيله وتأسيسه وتغيير مفاهيمه ومرجعياته ورموزه.

إن مشروع الإدماج الذي تقوم به إسرائيل بحق الفلسطينيين قد ابتدأ في مؤسسات ومرافق حكومية كالمصرف والبريد ثم لاحقاً في الكنيست الإسرائيلي وحق تأسيس الجمعيات ولكنها لن تتوقف هنا بل السعي الإسرائيلي هو نحو الانتقال من مرحلة التداخل نحو التناسق مروراً بالاندماج وصولاً إلى حالة الانصهار الكامل، من هنا يمكن فهم رفض السلطات الإسرائيلية الترخيص لحركة الأرض وإخراجها عن القانون، ومن هنا يمكن فهم مشروع الدو كيوم الاسرائيلي ( مشروع التعايش ).

ما حاولته حركة الأرض هي أن توفق بين وجودها في إسرائيل وبين انتمائها القومي، وبالتالي حاولت أن تمد خيوطها بالاتجاهين، وهو ما يتناقض مع المشروع الاسرائيلي القاضي بتقنين الحركات السياسية والاجتماعية ضمن أُطر داخل المؤسسات الاسرائيلية بحيث تكون خاضعة لها وجزءاً من بنيتها.

تحول الفلسطينيين في الداخل إلى شأن إسرائيلي بحت ( كان هذا ضمن تفاهمات أوسلو )، وتقطعت الأوصال بينهم وبين امتدادهم القومي والوطني والديني، مما ساهم في شرذمة الهوية وخلق حالة من الاغتراب المزري المخيف والذي حمل بدوره آفات اجتماعية وتفكك مقلق للغاية.

في الاتجاه السياسي كان الوضع أكثر سوءاً، حالة من اضطراب الخطاب السياسي للأحزاب العربية، حالة من البلبلة والغموض وغياب الأفق والمشروع وهو ما يتجلى في الأحزاب التي لم تستطع حتى اليوم أن تكون قادرة على المبادرة، حين تحول مشروعها إلى مشروع دفاعي خائب، وليس مشروع هجومي ناهض يتطلع إلى رأب الصدع وإعادة بناء هوية تضرب بعرض الحائط  كل المؤسساتية الإسرائيلية وكل البنية المُشكلة لها ومنها.

تحول يوم الأرض إلى انتصار للجماهير الفلسطينية في الداخل، ليصير يوماً عالمياً، لكن ما من أحد تساءل أين مكمن الانتصار فيه ؟ وإذا كانت الأمور بخواتمها فلا يمكن أن نقول بأن خاتمة يوم الأرض هي أرض رقم 9 التي أعيدت لأصحابها، بل كل أرض محتلة، لقد صودرت بعد يوم الأرض عشرات ومئات الآلاف من الدونمات في سخنين وشفاعمر في النقب والمثلث، لم يسقط عندها شهداء، ولم تثار ضجة مثلما كان في يوم الأرض الأول، فهل استوعبت إسرائيل الدرس أم الفلسطينيين ؟ يبقى سؤالاً معلقاً من انتصر في يوم الأرض إذاً ؟ وهل القضية قضية اليوم ذاته أم قضية الفكرة المنبثقة فيه المتجاوزة للحاجز الزمني ؟

لا لن يبقَ فلسطيني بعد اليوم، طالما الحالة كما هي، طالما الأحزاب تمتص غضب جماهيرها وتتحول إلى أداة سلطوية لإعادة التنظيم الاجتماعي المتسق مع التطلعات الإسرائيلية، وطالما الجمعيات ومؤسسات المجتمع المدني تعيد تشكيل ذواتها مجرورة بمصادر التمويل خاضعة وراضية بموقعها المُعد مسبقاً، وطالما الهوية الفلسطينية في تراجع مستمر.

لا لن يبقَ فلسطيني بعد اليوم، لأن تسرب الهويات الأخرى بات يستحوذ على الهوية الأم، وإذا كانت الثقافة هي مزيج العادات والتقاليد والمعتقدات والحرف والفولكلور وأنماط الحياة والمنتجات المادية والعمران، فيمكن فهم مدى التدخل الإسرائيلي في كل مركبات الثقافة ومجالاتها الأمر الذي ينذر ويبشر بالخطر الداهم.

لقد أزف الوقت، وصار من الواجب مراجعة الذات وإعادة بناء الهوية الفلسطينية ضمن مجالات منفتحة على الحيز العربي وعلى الامتداد الوطني والثقافي الطبيعي دون الخضوع للمأسسة الإسرائيلية التي قد تعيد الدورة إلى بدايتها.

تجربتين لم يستفد الفلسطيني في الداخل منهما، تجربة حركة الأرض، وتجربة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، في تجربة حركة الأرض تكمن الرؤية الإسرائيلية لأي حزب يحاول إدماج ذاته ضمن مشروع عربي حقيقي يفتش عن هويته، وبالتالي  تم إخراج الحركة عن القانون وحلها، وعليه فإن الأحزاب في الداخل تعلمت الدرس مقلوباً، وصارت كل خطاباتها خطابات محببة لإسرائيل طالما أنها ضمن الجدل الدائر في إسرائيل، من هنا فلا ضير لإسرائيل شعارات المساواة والديمقراطية أو دولة جميع المواطنين طالما هي قضايا سياسية داخلية باتت تقنن وصراعها دائر في أروقة الكنيست والمؤسسات الأخرى، بمعنى أنها ساهمت في صناعة القطيعة بين الفلسطينيين وكل ما هو خروج حدود دولة الاحتلال الوليدة.

وقعت الأحزاب العربية كوقوع الفكر العربي في عصر النهضة بين حدي – التلفيق والتوفيق، فحزب يعيد ترتيب إنتاج النظرية الشيوعية برمتها مُدخلاً كل عناصر التبرير الأيديولوجي مستحثاً التأويل حتى جذور انفضاض المعنى ليعيد ترتيب الواقع كما ترتئيه البراغماتية الصرفة في ذروة عريها، وحزب آخر يخلط القومية بالمواطنة الإسرائيلية ملفقاً شكلاً جينياً تعجز عنه المخابر البيولوجية لكي يوفق بين نقيضين.

في تجربة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان مثالٌ آخر، وهو مثال شاهد على آلية الدولة في صد شرائح اجتماعية لا ترغب بتوطينها، وبالتالي فإن كل المعاناة والمآسي والتمييز الذي حل بهم، كان محفزاً على أن تبقى قضية الوطن في أعلى سلم الاهتمام، كان التمييز كفيلاً بأن يجعلهم يروون أبعاد الاختلاف فيهم، رغم الروابط اللغوية والفكرية والتاريخية والجغرافية، وهو ما بدوره ما يشعل ويأجج فتيل الرغبة والتصميم على عدم الاندماج وعلى بناء وطنهم بعد طول انتظار.

إن ما تقوم به إسرائيل  مع الفلسطينيين في الداخل هو وظيفية جديدة بتعبير الباحث السياسي البريطاني دايفد ميتراني ( التي هي أساس فكرة الاتحاد الأوروبي )، فاسرائيل بدأت علاقتها مع الفلسطينيين بعد 67، بتدرج وظيفي جديد، تدرج يبدأ من النقاط الأقل خلافاً ويكون مبنياً على المنفعية، ثم يتدرج إلى قضايا أخرى وأخرى وصولاً إلى التكامل فالانداج والانصهار، هكذا بدأ الفلسطينيون ضمن المؤسسات وضمن حالة من الانسيابية واللاردع التي تعززها الأحزاب والحركات وتعتبرها إنجازات أسطورية على وقعها كانت الهوية تنتقل وتتصدع.

لن يبقى فلسطينيين في الداخل، إذا لم ينفتحوا على العالم العربي، وإذا لم يناضلوا لأن يكون جزءاً من الحراك العربي، وأن يضعوا حداً لمهزلة المواطنة والمساواة وحداً لكون الفلسطيني هو قضية داخلية في الصراع الاسرائيلي بل يجب أن يعيد فلسطينيو الداخل قضيتهم إلى مصافي القضايا العربية وأن يكون لهم حضورهم على الساحة العربية منسحبين من أي إطار يربطهم بدولة بنت ذاتها فوق عظام أسلافهم وإخوانهم.

الاثنين، 6 يونيو 2011

العرب الغاربة والعرب الغابرة والعرب المستغربة


العرب الغاربة والعرب الغابرة والعرب المستغربة

فادي عاصلة

الصحراء والقبيلة،السيف والحلف، إحداثيات لن يفلت منها أي عربي مذ عهد عدنان وقحطان،وفي جوفهما ستنمو أسطورة هذا الشرق المحير ومخيال العالم ... في قسوة الصحراء في الحر والقر،في شح الكلأ والماء،في الخيام والمواشي في شظف الحياة سيطوع العربي البادية،وستطوعه... لينبثق العهد بين ثلاثيتهما،تصير القبيلة ذاك الإطار المقدس لها  شاعرها ،فرسانها،مناصريها وحلفائها، وفي جوفها تتعزز الأعراف تتعزز الكرامة ،الأخذ بالثأر ،الإباء ،الأنفة،الاستجارة ،حماية الملهوف ،إكرام الضيف وحرمة الأشهر الحرم ... وستعزز الصحراء تلك القسوة والتحدي،الجلادة والتصبر والدم ...

صراعات وحروب ملاحم حقيقة لن تتوقف، العزيمة والاندفاع والنزعة القبلية، هي وقود الوجود،وقول الشاعر :

                      وهل أنا إلا من غزيه،إن غوت               غويت وإن ترشد غزية أرشد ...



دوت في مطلع حرب البسوس ،صرخة  ابن همام في وجه خاله الزير سالم بعد مقتل شقيقه كليب (ملك العرب ) وتأخر الثاني عن الرد : " ألن تأخذ بثأرك ؟ باتت تتقولنا العرب "،ولما استجار شرحبيل بالزير سالم مدعياً الانضمام إلى فريق بني تغلب كي يسرق حصان كليب، عاد إلى بني بكر ممتطياً إياه ،عرف أباه مرة بالأمر (خداعه للزير متظاهراً بالاستجارة ) صرخ مرة بن ذهل البكري في وجهه ( رغم الحرب المشتعلة بينه وبين الزير ) : " لا تحكي هذه القصة لأحد من العرب،لئلا تموت النخوة فلا يجير العربي ملهوفاً بعدها ".

لقد كان للحياة قوانينها المقدسة،وكان للمبادئ ذاك التوافق الجمعي المتعالي،لا يخرق هذه الأعراف حرب أو معارك،وإن خرقت فسيلحق العار بصاحبها.

ومن هنا كان نذر الزير لحرب امتدت أربعين عام لم يوقفها لأن كليباً قد كتب بدمه قبل موته : " لا تصالح " ولأن الزير قد اشترط للصلح " أن يعود كليب حياً " ثم أقسم  :" لن يخمد سيفه ما دام بكري واحد يدب على وجه الأرض " ( بكر : هي قبيلة جساس قاتل كليب،وهم أبناء عمومة ). وحتى لما أعاد الزير بعد حرب الأربعين عام الملك للجرو ابن كليب وجعله ملكاً على العرب،تفرق الرجال من حوله،وانكسر ظهره في آخر معركة فلم يعد يقو على المشي إلا متكأ على عصا،فاعتزل للصحراء،فدعاه الجرو ليعيش معه في القصر،فاشترط الزير على الجرو : " وتكمل الحرب معي ؟ "

هذه النزعة وهذه الحدة لم يستطع حتى الإسلام أن يغيرها،بقيت نزعة حماية القبيلة،والامتزاج الكامل معها هي المحرك لكل التاريخ الإسلامي،لقد شذب الإسلام العربي بحكمة،ونزع عنه كل أدران القبيلة من وئد للبنات ومن عبودية وإلى ما ذالك،لكنه لم يستطع الدخول في قرارة طباعه،ثمة رواسب احتاجت قروناً حتى تصل إلى ما هي عليه اليوم،لكنها هدمت في طريقها العربي نفسه.

وهذا قزمان أحد فرسان المسلمين الأشداء في معركة أحد،قتل ثمانية من المشركين،وأبلى بلاءً حسناً وأظهر استبسال وجرأة غير معهودة،يُضرب بضربة قاتله ،يبشروه بالجنة فيقول : " أي جنه والله ما قاتلت إلا حمية لقومي ".

هي القبيلة المرجعية الأولى والأخيرة وهذا الحجاج ابن يوسف الثقيف،كان مدرساً للقرآن،منعه أحد جند الخليفة عبدالله بن الزبير عن بئر ماء، وقال الجندي للحجاج : " أن ثقيف من أحفاد عاد  " وكذب على الحجاج حين ادعى أن المنع بأمر من الخليفة، ولم يكن أحد ليصدق أن حقد الحجاج مدرس القرآن سيدفعه لهجرة مكة والعودة إليها بعد سنين غازياً يقصفها بالمجانيق ويقتل ابن الزبير ويهدي برأسه لعبد الملك بن مروان.



لسنا بصدد تفسير ومحاججة تاريخية أو منطقية حول كل واقعة وموازنتها ضمن الصواب والخطأ،ولكن بصدد الوقوف على مشارف هذا العقل العربي المتعالي الآنف،بصدد استشراف هذا الانهيار القيمي في عقليته السابقة،أي قراءة وضع العربي الجديد الذي لا يزال يحتفظ بقليل من قبيلته مع كثير من مدخلات العولمة والتكنولوجيا.

لما قتل حجر بن آكل المرار  وأتوا امرؤ القيس الحانه يخبرونه بالحادثة قال : " ضيعني صغيراً وحملني دمه كبيراً،لأصحو اليوم ولأسكر غداً،اليوم خمر وغداً أمر " خاض بعدها حروب ومعارك كثيرة،لكن الجدير في ذكره هو يوم مقتله في انقره بجانب جبل عسيب بعيداً منفرد وهو يعاني القروح،رأى قبراً لامرأة من بنات ملوك الروم ،فصدح وقوله :



أجارتنا إن الخطوب تنوب        وإني مقيم ما أقام عسيب

أجارتنا إنا غريبان هاهنا                   وكل غريب للغريب نسيب



لقد كانت القبيلة خليط الدم بالقرابة بالروحانيات،كانت القبيلة هي أرقى من مفهوم الوطن بلغتنا الحديثة ،وإسقاطا للوطن على القبيلة،فان العربي قاتل لأجل وطنه بالدم والنار،كانت الكرامة والأنفة شغالة في المخيال اللحظي للعربي ممتزجةً مع خليط من القيم المقدسة عزز الإسلام هيبتها وقدسيتها،ولم يكن خلاف العرب مع الإسلام انطلاقاً من صراع القيم بقدر ما هو انطلاق من صراع السلطة والسطوة للعربي الذي لا يقبل حكماً غير حكم قبيلته،فكان دخول الإسلام زعزعة للوطن ،وكان الصراع هو صراع من لا يملك الوطن ويفتش عن قيمة وعزوة،أو من لا يملك منعة القبيلة،وعليه كان المستضعفون بولوجهم الإسلام بحثاً عن قبيلة وإن اختلفت مسمياتها.

كان الطعن بالقبيلة جرم أعظم،هو ذات جرم خيانة الوطن وهذا الذي فقده العرب في طريقهم إلى القرن الحادي والعشرين ،وهذا عروة بمن مسعود الثقفي يقول للرسول ( ص ) : " يا محمد،أرأيت إن استأصلت قومك فهل سمعت بأحد من العرب اجتاح أصله قبلك ؟ " كان يعيب على النبي أنه يقاتل قومه وهو عار أشد من القتل في الذهنية العربية،وهو نفسه ( عروة بن مسعود) لما عاد إلا الرسول وأسلم قتله قومه بالنبال.

هوى العربي والأعرابي معاً،سقطا من ملح القبيلة إذ تفقد أولادها دون أن تخبر ضيفها،لشاشات التلفزة هزيلة تُدخل للخيام ما كان السيف سيجزله،من داحس والغبراء،من يوم الجفار وخزاز من معارك المناذرة والغساسنه والتبابعه إلى حضيض السوق المشتركة والمجتمع المفتوح.

تدجن العربي ،عبر سني الاستعمار الطويلة،قاتل بصلابة من عبد القادر الجزائري،إلى عبد القادر الحسيني،إلى عمر المختار وغيرهم ،لكن الاستعمار مضى ومضى العرب معه،فقد تطبعو بطباعه وحال ابن خلدون يقول : " المغلوب يتطبع بطباع الغالب "،ومع قرصنة الإعلام الممنهج ومع ديكتاتوريات عربية تغتال الإنسان في داخله،عاد من عاد ليفتش عن حقيقته،لكن العربي الحقيقي كان قد تركنا مذ سنين لتستفيق القوميات والأحزاب على حنينها.

مر وقت طويل على العرب،طويل جداً،ليأتي الجابري ويقول : " ليس هناك عرب،بل هناك مشروع عربي " عبارة ستحمل من خلفها تراكمات عشرين قرنٍ أو أكثر،لنعيد حساباتنا : ماذا بقي من العربي ؟

بين طيات القرون تغيرت مسميات وأصناف العرب، بين العرب العاربة والعرب البائدة والعرب الباقية،لتصير العرب الغاربة ( نحو الغرب ) والعرب الغابرة ( من تساقط على مر السنين )، والعرب المستغربة ( من تبقى من عرب باتت في صدمة ما يدور حولها ) . . .


الاثنين، 18 أبريل 2011

العقد الاجتماعي : رؤية مبلوريه الأوائل

العقد الاجتماعي رؤية مبلوريه الأوائل
 فادي عاصلة
يعتبر توماس هوبس وجان لوك وجان جاك روسو من أبرز فلاسفة عصر التنوير كما أنهم من المؤسسين الأوائل لفكرة العقد الاجتماعي والمجتمع المدني،ولا يمكن لأي باحث يحاول سبر أغوار تلك العصور المشحونة بالفلسفة والفكر والتضاد والثنائيات بالضخ الديني والمادي في آن،بصراع الذات مع الذات،أن يتجاوز هؤلاء الثلاث مفكرين كمنطلق ومرتكز لفهم تلك الظاهر التي تسمى " أوروبا " وهي مرحلة تاريخية تستحق الدراسة لما فيها من غناء يثري الباحثين والعلماء في شتى مجالاتهم إذ كانت ولا تزال أرضاً خصبة للفكر والمعرفة.

الحالة الطبيعية :
هوبس :
تعتبر الحالة الطبيعية للإنسان مركباً هاماً في البناء والنسق الفلسفي لكل من يشتغل في مجالها فهي التي قاعدة النظام الفلسفي والنسق الذي يحدد المعالم الكبرى في الإنجاز الفكري،من هنا كان لا بد لهوبز ولوك وروسو أن ينطلوا من الحالة الطبيعية للإنسان ووفق رؤية كل واحد منهم كانت تتشكل فلسفته.
كان هوبس أشد الفلاسفة تطرفاً أو فلنقل أشدهم حدة،إذ رأى أن الحالة الطبيعية للإنسان هي حالة صراع دائم حرب الكل ضد الكل( وهو قريب إلى ما قاله الفيلسوف أبو حيان التوحيدي سؤل عن مشكلة الإنسان في الحياة،قال : الإنسان مشكلة الإنسان )،بالتالي فإن قانون الغاب هو السائد،والإنسان شرير بطبعه.
إن آراء هوبس السياسة والاجتماعية لا تنفصل عن فلسفلته،وبالتالي فإن أرائه هذا مردها أن الإنسان جسم حركي،وعن حركته المستمرة تتولد الرغبة التي لا يحدها شيء،وبالتالي فإن منطقه الداخلي مفعم بالحسد والغيرة والرغبات المتداخلة،الخوف من الموت،والحزن والألم وفي ظل هذا الرعب المزمن يتنامى لدى الإنسان شعور بالتعويض وبالتحصين عبر امتلاك أسباب القوة،والسعي نحوها، كإجراء ضد كل هذه المعارك الداخلية والخارجية،وعليه فإن الطبيعة الإنسان هي في حالة حرب مستمرة فيما الأخلاقيات ومثل ومبادئ هي اصطناع.
وعليه فإن الانتقال إلى المجتمع المدني هو لحفظ الأمن وثمة عقل مُرشد دل الإنسان على ذلك وعواطف داخلية تتجه رغم الشرور نحو السلم.

لوك :
اختلف لوك عن هوبس في نظرته للإنسان فإذ رأى الأول بأن الإنسان شرير وفي حالة صراع الكل ضد الكل وسيادة قانون الغاب،فقد لوك رأى بالعقل حامياً للإنسان من تصرفاته ومن غيره،كونه يرد ويحجم الإنسان عن أفعاله العدائية،ومن هنا وجب على كل فرد أن يحاول حماية الآخرين وردع المعتدين كما أن العقاب يجب أن يتناسب مع حجم الخطأ المرتكب بمعنى أن يكون العقاب متوافقاً مع الضمير الداخلي.أي أن الإنسان ليس خيراً بالمطلق ولا شريراً بالمطلق.
من هنا رأى لوك أن العلاقة بين الأفراد هي علاقة تبادل مصالح ومنافع فلقد انتقل الناس من حالة الطبيعة إلى المجتمع المدني نتيجة تجاوزات ومساوئ تعرضوا لها في حالة الطبيعة فكان المجتمع المدني ردة فعلية تهدف لتحسين شروط الحياة وحماية الفرد،إذ أن الحالة الطبيعية خالية من القوانين والقضاة والسلطة التنفيذية،والتي بدورها تعتبر ركائز المجتمع المدني – السياسي.
روسو :
 رأى روسو أن الإنسان كان يعيش في حياة طبيعية مثلى،يتساوى فيها الجميع،كما أن هذه الحياة كانت مثالية تسودها الفضيلة والسعادة،إذ الكل راضٍ عما يحصله فهو يعمل بنفسه لنفسه ويعيش تحت تأثير مجموعة من المشاعر تضمن له الراحة الداخلية والاستقرار إلى أن جاء المجتمع المدني ليسلب الإنسان راحته ويفسد حياته،وبالتالي فإن الشرور التي يتحدث عنها هوبس وفق فلسفة روسو هي إفرازات المجتمع المدني وليست سابقه له.إذ أن المجتمع المدني ونشوء فكرة الملكية واتخاذ المعاونين هو من حدا بالإنسان إلى التدهور إلى ما هو عليه فيما حياة الطبيعة السابقة لم تكن تتطلب أكثر من إشباع الغرائز : ( راحة،طعام،أنثى ).
أطراف العقد :
هوبس :
يرى هوبس بالإنسان كائن لا اجتماعي منفعي وشرير بالتالي فإن تأسيس المجتمع المدني يحتاج إلى طرف يتوسط بين الإنسان والإنسان،وعليه يكون الحاكم ذاك شخص الذي يتنازل له الجميع عن الحق الطبيعي المطلق،في مقابل أن يقوم هو بدور الفاصل والموزع لهذه القوة الكبرى الناتجة عن توحيد الحقوق الطبيعية،ولكي يستطيع أن ينجز عمله،وبما انه ليس طرفاً في العقد،فهو مخول بما يراه مناسباً بشكل مطلق دون أي التزام أو مسائلة.


لوك :
نتيجة لحالة الطبيعة التي رآها لوك،ولكون الإنسان خير،لكنه قد يقوم بأعمال شريرة التي يردعها العقل،ونظراً لكونه كائن اجتماعي يحتاج الآخرين،فقد رأى لوك بان العقد الاجتماعي يجب أن يكون بين الأفراد والسلطة الحاكمة،فهم يتنازلون عن حقهم الطبيعي لأجل تسيير أعمالهم فمن الواجب على السلطة الحاكمة أن تحترم هذه الثقة وأن توفر لهم الأمن والخير.

روسو :
 انطلاقاً من رؤية روسو لحالة الطبيعة التي ذكرناها سابقاً،بأنه خير بطبعه وقد أفسده المجتمع المدني،يأتي الحاجة لإبرام اتفاق وعقد اجتماعي يضع حد لتدهور الفرد البشري،من هنا يكون أطراف الاتفاق هو الفرد والإرادة العامة كما العائلة التي تقوم على توافق وإرادة جماعية بالحياة المشتركة كذا يجب أن يكون المجتمع بحيث يكون الالتزام حراً وذاتياً،يحمي الأفراد وملكياتهم ويوظف القوة العامة في سبيل تحقيق ذلك.
جوهر العقد :
هوبس :
إن العقد الاجتماعي قد جاء ليضع حداً لحروب الإنسان،ولشروره،وصراعاته،وبالتالي فإن جوهر العقد الاجتماعي هو التنازل الكلي والنهائي للأفراد عن حقوقهم وحرياتهم الشخصية،
فليس ثمة خيارات مطروحة للمجتمع سوى خيارين،إما الأمن في ظل السلطة المطلقة،وإما الفوضى العارمة في غيابها.
من هنا تأتي الحاجة لسلطة مطلقة تفرض الأمن وتحافظ عليه،وبالتالي فالخير والشر هو ما تراه هذه السلطة لا ما يراه الفرد،فهي ترى بعين الجميع،فما تراه من خير فهو خير وما تراه من شر فهو شر.
لوك :
كان لوك قد أوضح رؤيته للأفراد وعليه بنى توجهاته الفلسفية والسياسية،إذ يرى أن الفرد في حالة الطبيعة له نوعان من الحقوق الأول يتمثل باستخدام سلطته للبقاء وحفظ ذاته،والثاني يتمثل بحق استخدام السلطة الطبيعية لمعاقبة الجرائم المفترضة ضد قوانين الطبيعة بمعنى تنفيذ هذه القوانين بشكل فرد باستخدام قوته،وبناءً على هذين الحقين ،فإن الفرد يتنازل عن الحق الأول إلى بعد أن تديره السلطة،كما أنه لا يتنازل عن الحق الثاني إلا بعد أن تتولى السلطة التنفيذية مهامها.
على وقع هذه الرؤية يمكن توجه لوك الداعي لبناء السلطة برضى الجميع دون إفقادهم حرياتهم عبر السلطة التشريعية والتنفيذية واللتات تضمنان بدورهما حماية الحقوق الطبيعية والتي بدورها تكون الطريقة الأفضل لحماية حقوق الإنسان.
روسو :
تنازل بناءً على ما ذكره روسو في رؤيته لحالة الطبيعة ولأفراد العقد : الفرد – الإرادة العامة،الذين يشكلون أطراف العقد فيما يكون العقد ذاته بجوهره تنازلاً من الأفراد عن حقوقهم الطبيعية وحرياتهم للجماعة من أجل بناء الإرادة العامة التي تضمن القوة للجميع،فوفق هذا العقد كل الأفراد قد تنازل وهو بدوره مشروط على الجميع،فكل فرد تنازل عن حقوقه لاكتساب قوة الجماعة وليحافظ بها على نفسه،كما لا يكون وفق هذه الرؤية أحد تحت إمرة أو قيادة آخر بل تحت إرادة عامة،يكون لكل فرد الحق على الآخر بذات المقدار،وبالتالي فإن كل فرد يبقى حراً ،حاكماً ومحكوماً في آن،بالإضافة إلى ذلك فإن التعاقد ضمن هذه الطريقة يضمن المساواة الطبيعية الأخلاقية والشرعية بين الجميع.
الإرادة العامة هذه هي التي تشكل الدولة بأجهزتها ومؤسساتها وأذرعها،والتي بدورها تكون معبراً عن الإرادة العامة ذاتها.
التزامات العقد :
هوبس :
طالما الحاكم قد جاء ليكون فاصلاً بين الأفراد ضد الأفراد،وطالما لم يكن طرفاً في العقد،وفق التوجه الهوبسي،وبما انه قد جاء ليحفظ الأفراد من بعضهم ويضع حداً لحالة الفوضى،فإنه  طالما حافظ على الأمان طالما وجب على الأفراد الطاعة،أما إذا أخل بالأمن عندها يكون الحق للأفراد التخلي عنه والخروج عليه.وهذا بدوره يفرض على الحاكم التقيد ببعض الواجبات كأن يوفر المساواة للجميع وأمام الأعباء العامة،إضافة لتوفير التعليم،ومكافحة البطالة،ورعاية العاجزين عنه،وأن يوزع بعض الملكيات.
لوك :
جاء الحاكم وفق لوك لكي يضع حداً للتوجهات السلبية التي فرضتها حالة الطبيعة من تجاوزات وانتهاكات للآخرين،وعليه فوجوده جاء ليركز القوة الطبيعية للأفراد في ويوظفها في سبيل خدمة الجميع بناءً على رضى الجميع وموافقتهم،وبالتالي فإن ما العقد الاجتماعي مع ما يحويه من حريات حقوق واحترام والتزامات هو المرجعية النهائية،فإن تجاوز الحاكم ما تم الاتفاق عليه حق للأفراد الثورة عليه.
روسو :
ركز روسو على قضية الإرادة العامة،والتي بدورها عبارة عن تجميع لإرادات الأفراد الآخرين،فهي إذاً مجمع الإرادات الفردية وملتقاها،وهي إما إرادات فردية خاصة،وإما إرادة عامة تسعى للمنفعة الجماعية العامة،وبالتالي فإن الحاكم وظيفته تنفيذ هذه الإرادة العامة،كونها تخضع الجميع،ومن أخل بها وجب عليها العقاب حاكماً كان أم فرداً.

صاحب السيادة :
هوبس :
كما ذكرنا سابقاً تكون السيادة للفرد الحاكم – أو المجموعة الحاكمة الذي تنازل له الأفراد عن حقوقهم الطبيعية لأجل أن يكون فاصلاً بينهم،ويكون متجاوزاً للقانون وفوقه،لأجل المحافظة على الأمن للجميع،في ظل مجتمع فرداني شرس وشرير،بالتالي فإن صاحب السيادة  هو غير ملزم وغير مقيد وصاحب سلطة مطلقة،ولا يمكن إزالته أو تغييره أو استرجاع القوة التي منحت له.فلا يجوز المجادلة والنقاش في شرعية الأوامر والنواهي التي يصدرها.
لوك :
إن صاحب السيادة وفق لوك،هو الشعب أو الأغلبية ،فهم يمنحون السلطة قوة مشروطة بالثقة وتأمين الخير والأمن،والتزام قواعد الأخلاق والتقاليد الدستورية والتعهدات التاريخية.
كما يرى لوك أن الذي يحرك المجتمع هو رضا أفراده،ولكي يستطيع هذا المجتمع السير في طريق واحده فيجب أن يلتقي في الطريق أكبر عدد من المؤيدين.
روسو :
إن صاحب السيادة باعتقاد روسو هو الإرادة العامة،فهي الممثلة الأدق والمعبرة عن جميع الإرادات الفردية،وبالتالي فالسيادة لها،فهي غير قابلة للتصرف : فقط الهيئات تتغير،والشعب يفرزها،غير قابلة للتقسيم : إما أن تكون عامة أو لا تكون،معصومة عن الخطأ: الأغلبية لا تخطأ.




طبيعة السلطة :
هوبس :
السلطة هي خالقة المجتمع الصناعي الفرداني الذي لا يوحدهم سوى المصلحة والمنفعة والحفاظ على الذات والأمن،وبالتالي فإن السلطة مركز توحيد هذه الحقوق وتجميعها ومركز للمحافظة على الأمن،وصاحب السيادة هو من يصنع المجتمع لا العكس.
لوك :
 الشعب هو من يختار السلطة،فلا يكون العقد المجتمع دون رضى أفراده،ولا يمكن بناء دولة ووطن والسير في طريق البناء دون أن يكون أغلبية راضية ومتوافقة،وبالتالي فللشعب حق اختيار السلطة وأفرادها وحق عزلها وتغييرها.

روسو :
السلطة جاءت لأجل تنفيذ الإرادات العامة،التي فرضها نظام المجتمع المدني الحديث والمتمثلة بحفظ الأمن والاستقرار،والملكية،كما يجب على الشعب أن يكون هو من يضع القوانين،وعليه يكون ممثلو الحكومة من قادة ورؤساء عبارة عن موظفين لدى الشعب.
نظام الحكم :
هوبس :
لكي يتم الحفاظ على المجتمع وتوفير الأمن لإنسان شرير يسعى دوماً إلى العدائية والغائية فإن على الحكم أن يكون استبدادي مطلق لكي يجيد توفير الأمن والسيطرة فهي سبب وجوده،وبالتالي فعليه أن يكون صاحب سلطة مطلقة فوق القانون،يملك صلاحيات واسعة،تمتد من الملكية إلى الكنيسة.
لوك : 
يتوجب وفق لوك قبل إقامة الحكومة إقامة المجتمع السياسية،وبعدها يتم إقامة حكومة أغلبية ديمقراطية تتخذ القرارات وبالأغلبية،وتكون مقسمة إلى سلطات تشريعية وتنفيذية وكونفدرالية تسعى جميعها بسن القوانين وتنفيذها وتطبيق العدالة.
عطفاً على ذلك فإن السلطة متغيره،كونها وديعة بيد الحكومة تستخدمها في سبيل الخير العام،وتبقى طالما حافظت على أسباب وجودها ويخرج الشعب عليه طالما أخلت بمقوماتها الأساسية .
روسو :
يرى روسو بأنظمة الحكم أشكال تنظيمية للسلطة التنفيذية،فمهما اختلفت أشكال الحكم تبقى السلطة ذات السيادة كامنة في الشعب،وبالتالي فالحكم يجب أن يكون ديمقراطياً والسلطة فيه مطلقة للإرادة العامة.